ابراهيم بن عمر البقاعي
47
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
متصل في الشيء من جنسه ، فِي طُغْيانِهِمْ أي تحاوزهم الحد في الفساد . وقال الحرالي : إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها - انتهى . وهذا المد بالإملاء لهم حال كونهم يَعْمَهُونَ أي يخبطون خبط الذي لا بصيرة له أصلا . قال الحرالي : من العمة وهو انبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه ، فلا يتعدون حدا إلا عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبدا متزايد والطغيان - انتهى . فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف أُولئِكَ أي الشديد والبعد من الصواب الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها اللّه عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا الضَّلالَةَ أي التي هي أقبح الأشياء بِالْهُدى « 1 » الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه ، فكأنه لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها ، وسيأتي في سورة يوسف عليه السّلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على اللجاجة فَما أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ مع ادعائهم أنهم أبصر الناس بها وَما كانُوا في نفس جبلاتهم مُهْتَدِينَ لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال ، لأنه لم يبق في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا مثل لهم في الهداية . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 17 إلى 22 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )
--> ( 1 ) وفي أنوار التنزيل 1 / 117 : المعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعل اللّه لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها ، أو اختاروا الضلالة ، واستحبوها على الهدى .